محمد بن أحمد الفاسي
105
العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين
قلت : أظن أن هذه القصة في سنة ثمان وأربعين وسبعمائة ، فإن القاضي شهاب الدين زار المدينة النبوية في قافلة كبيرة ، وكانت للقاضي شهاب الدين ملاءة كبيرة ، ومعاملات مع الناس . وكان يقصده الناس كثيرا ليرهنوا عنده ويبيعونه أموالهم ، وكان يسلف غالب أرباب الوظائف بالحرم وأهل الصرر ، ويأمره كل منهم بقبض ما يصل إليه في الصندوق الحكمي من القاهرة ، وربما حمل الصندوق الحكمي إلى منزله في بعض السنين لاستحقاقه لما فيه ، بسبب مداينته للمشار إليهم ، وكان إذا قبض ذلك ، أعطى كلا منهم ما يحتاجه ، وصبر عليه إلى العام القابل ، وأذن له في قبض ما يصل إليه ، وكانت فيه شهامة وقوة نفس . وبلغني أن آقبغا عبد الواحد ، أحد أعيان الأمراء بمصر ، قدم مكة حاجا في بعض السنين ، فاجتمع به القاضي شهاب الدين للسلام عليه ، عند مقام إبراهيم عليه السلام . فعاتبه آقبغا على كونه لم يسلم عليه قبل وصوله إلى المقام ، وعلى كونه لم يتلقاه إلى وادى مر ، فقال له القاضي شهاب الدين : أستاذك الملك الناصر ، لم أسلم عليه إلا عند باب بنى شيبة . فكيف آتيك إلى بطن مر ؟ . وكان آقبغا سكن برباط أم الخليفة الناصر لدين اللّه العباسي ، المعروف بالعطيفية ، لكون عطيفة أمير مكة ، كان يسكن به . وكان آقبغا يجلس على بناء مزاور عند بابها ، ويجلس الناس تحته ، فجاء إليه القاضي شهاب الدين وجلس قبالته على بناء مقابل لذلك البناء . وكان بعض الأشراف من الأدارسة ، حصلت منه إساءة على القاضي شهاب الدين فأدبه القاضي شهاب الدين أدبا كثيرا ، وتوقع الناس أن يحصل للقاضي شهاب الدين من ذلك تشويش ، لكون الشريف من أعيان الدولة ، فما رأى سوءا ، وجاءه أمير البلد وأعوانه يسترضونه ؛ لأنه أظهر أنه يريد السفر من مكة . واستدعى بالجمال غضبا مما صدر من الشريف . وكان فيه مع قوة نفسه تواضع ، واتفق له ذلك في حكاية ظريفة ، وهي أنه ذهب إلى بلاد بجيلة في جماعة من أصحابه للتنزه بها ، فلما وصلوا إليها اشتهر خبر وصوله بها ، فاتفق أنه خرج من الموضع الذي نزل فيه يريد البراز ، وانتهى إلى بعض كروم البلد ، فناداه شخص في ذلك الكرم فأتاه ، فقال له المنادى : أنت من أصحاب حكموا مكة ؟ يعنى قاضى مكة ، فقال : نعم . فقال : احمل هذا - وأشار إلى وعاء كبير فيه عنب -